الشيخ محمد رشيد رضا
412
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الهدى بهذا النوع من العلم الذي أشرنا اليه إذ يكفي أنهم معتقدون به أنهم على الحق والخير والصلاح ، فلا يشاقون من جاءهم بذلك ولا يتبعون غير سبيل أهله الا لسبب يقل وقوعه كما سيأتي . ( الصنف الثالث ) من اتبع الهدى تقليدا لمن يثق به من الناس كآبائه وخاصة أهله ورؤساء قومه وهذا لا يدخل فيمن تبين لهم الحق والهدى لأنه لم يتبين لهم شيء ولذلك يتركون الهدى إلى كل ما يقرهم عليه رؤساؤهم من البدع والضلالات كما هو مشاهد في جميع الملل والأديان ( الصنف الرابع ) من لم يتبع الهدى لأنه نشأ على تقليد أهل الضلال ، فلما دعي إلى الهدى لم ينظر في دعوة النبي الذي دعي إلى دينه ، ولا تأمل في دليله ، لأنه صدق الرؤساء الذين قلدهم بأنه ليس أهلا للاستدلال وأن اللّه حرم عليه وعلى أمثاله النظر في الأدلة والبينات ، وفرض عليهم أن يقلدوا أهل الاجتهاد ، ومن ينقل إليهم مذاهبهم من العلماء ، فمن قلد عالما ، لقي اللّه سالما ، ومن نظر واستدل ، زل وضل ، وهذا ما كان عليه جمهور أهل الكتاب في زمن بعثة نبينا ( ص ) وكذلك غيرهم من أصحاب الأديان المدونة كالمجوس ، وأمثال هؤلاء إذا ترك رؤساؤهم دينهم أو مذهبهم يتبعونهم في الغالب ، ولا سيما إذا دخلوا في مذهب أو دين جديد ليس بينهم وبين أهله عداوات دينية ولا سياسية تنفرهم منهم تنفيرا طبيعيا ، ولذلك دعا النبي ( ص ) ملوكهم ورؤساءهم إلى الاسلام وكتب لكل رئيس ان عليه اثم قومه أو مرءوسيه إذا هو تولى عن الايمان ، ولم يجب دعوة الاسلام ، ( الصنف الخامس ) كالذي قبله في التقليد لأهل الضلال تعظيما لجمهور قومه ومن نشأ على احترامهم من آبائه وأجداده ، واستبعادا لكونهم كانوا متفقين على اتباع الضلال ، وان يكون هذا الداعي قد عرف الهدى من دونهم ، أو أوحي اليه ولم يوح إليهم ، وهذا ما كانت عليه عامة العرب عند ظهور الاسلام ، والآيات المبينة لحالهم هذه كثيرة ليس هذا محل سردها ، وانما الفرق بينهم وبين مقلدة أهل الكتاب والأديان المدونة ذات الكتب والهياكل والرؤساء الروحيين ،